languageFrançais

هُدنة هشّة.. أمريكا وإيران على حبل مشدود فوق صفيح ساخن!

بين وعود الدبلوماسية في إسلام آباد والصواريخ التي تسبق الوفود.. هل تصمد الهدنة الهشّة؟

بعد أربعين يوما من قرع طبول الحرب، سكنت أصوات المدافع فجأة لتفسح المجال لصوت الدبلوماسية المبحوح، ففي الثامن من أفريل 2026، تنفس العالم الصعداء مع الإعلان عن 'هدنة الأسبوعين' بوساطة باكستانية. لكن هذا الهدوء لا يخلو من ريبة، فالهدنة رغم أهميتها ما تزال هشّة، حيث يسير الطرفان على حبل مشدود فوق صفيح إقليمي يغلي، بانتظار ما ستسفر عنه طاولة المفاوضات في إسلام آباد، إن انعقدت أساسًا. 

واليوم، ينظر المراقبون إلى الأيام الأربعة عشر القادمة بوصفها الاختبار الأصعب: فهل تتحول 'النقاط العشر' المقترحة إلى ركائز لاتّفاق دائم، أم أنّ شياطين التفاصيل الكامنة في أروقة المفاوضات ستعيد الجميع إلى نقطة الصفر؟..

صواريخ تسبق المفاوضات!

لم يكد حبر بيان الهدنة يجف، حتّى بدأت الأخبار الواردة من الميدان ترسم صورة مغايرة تماما لطاولات الحوار. فبينما كانت العواصم تتبادل عبارات الترحيب بـ 'أسبوعَيْ الهدوء'، شنّ الاحتلال الإسرائيلي، الأربعاء، هجوما وُصف بـ 'الأعنف وغير المسبوق' على لبنان؛ حيث نُفّذت أكثر من 100 غارة جوية في دقائق معدودة، استهدفت شققا سكنية ومباني مدنية، في حين أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أنّ مئات من عناصر حزب الله تعرّضوا لهجوم مفاجئ على مقراتهم، في أكبر ضربة مركزة منذ بدء التصعيد.

وواصل الاحتلال، الخميس، غاراته على الضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب لبنان، في الوقت الذي تصرّ فيه إيران على أنّ وقف إطلاق النار يشمل لبنان، بينما تنفي واشنطن ذلك جملة وتفصيلا. فقد صرّح وزير الخارجية، عباس عراقجي، بأنّ ''شروط وقف إطلاق النار كانت واضحة، وعلى الولايات المتحدة أن تختار، إمّا الالتزام بالهدنة أو مواصلة الحرب عبر إسرائيل''. 

(لبنان - 8 أفريل 2026)

في المقابل، اعتبر نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، أنّ إصرار إيران على شمول لبنان هو محض ''سوء فهم''، مشدّدا على أنّ واشنطن لم تُقدّم وعودا بذلك، وأردف محذّرا: 'إذا أرادت إيران ترك هذه المفاوضات تنهار بسبب لبنان، فسيكون ذلك حماقة، لكن الخيار يعود إليهم''.

وحذّر الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان الخميس من أنّ تواصل الغارات الإسرائيلية على لبنان سيجعل المفاوضات المرتقبة مع الولايات المتحدة "بلا معنى". وقال في منشور بالعربية على منصة إكس "إنّ اعتداء الكيان الصهيوني المتكرر على لبنان هو انتهاك صارخ لاتفاق وقف إطلاق النار الأولي ومؤشر خطير على الخداع وعدم الالتزام بالاتفاقات المحتملة".

وحذّر من أنّ "مواصلة هذه الاعتداءات سيجعل التفاوض بلا معنى؛ أيدينا ستبقى على الزناد، ولن تتخلّى إيران عن إخوتها وأخواتها اللبنانيين قطّ".

معركة المضيق مُستمرة..

إلى جانب الجبهة المشتعلة في لبنان، يظلّ مضيق هرمز الملف الثاني الأكثر حساسية وخطورة. ورغم إعلان الهدنة، تُشير البيانات الملاحية إلى عبور محدود وحذر للسفن، مع بقاء مئات الناقلات عالقة في عرض البحر، حيث ترفض شركات الشحن المجازفة في ظلّ استمرار القيود وارتفاع تكاليف التأمين، ما يعكس انعدام الثقة في استقرار هذه الهدنة.

وصرّح نائب الرئيس الأمريكي بأنّ حركة المرور شهدت زيادة نسبية، الأربعاء، مؤكّدا على أنّ توقّعات الإدارة بانفراج أكبر قريبا، لكنّه أرفق ذلك بتهديد: "عدم التزام إيران بإعادة الفتح الكامل ستكون له عواقب خطيرة للغاية".

في المقابل، تُلوّح طهران بورقتها الأقوى، إذ نقلت وسائل إعلام إيرانية أنّ المضيق سيُغلق مُجدّدا إذا تواصلت الهجمات الإسرائيلية على لبنان. وفي تقرير لوكالة "فارس"، أُشير إلى أنّ طهران قد تُبقي المضيق مغلقا أمام 99% من السفن كإجراء احترازي. وردّت الناطقة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت قائلة: "الرئيس ترامب يتوقع ويطالب بإعادة فتح مضيق هرمز فورا وبشكل سريع وآمن"، واصفة أي عرقلة بأنّها ممارسة غير مقبولة.

وأعلنت القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني عن وضع مسارات بديلة للملاحة عبر مضيق هرمز، محذّرة من "ألغام مضادة للسفن"، في الممر الملاحي الاستراتيجي، بينما ينتظر عدد من ناقلات النفط خارج المضيق، للسماح لها بالعبور.

أسواق الطاقة والصرف تترنّح

وامتدت تداعيات الهدنة "الهشّة" لتُحدث ارتباكا حادّا في الأسواق المالية العالمية؛ فالعلاقة الطردية بين أمن المضائق وأسعار الطاقة جعلت المستثمرين في حالة ترقب شديد.

وارتفعت أسعار النفط بشكل ملحوظ، الخميس، إذ قفز سعر خام غرب تكساس الوسيط (WTI) لفترة وجيزة فوق 5% ليصل إلى 99.13 دولاراً للبرميل (تسليم ماي). وبالتوازي، ارتفع سعر خام برنت المرجعي عالميا بنسبة 3.56% ليصل إلى 98.12 دولاراً للبرميل (تسليم جوان).

في المقابل، استقر سعر الذهب قرب 4715 دولارا للأونصة بعد مكاسب دامت يومين بنسبة 1.5%. ويرى المحللون أنّ استمرار طبول الحرب أدّى لارتفاع مخاطر التضخّم، ممّا قد يدفع البنوك المركزية لتأجيل خفض أسعار الفائدة أو حتّى رفعها، وهو عامل سلبي للمعدن الأصفر الذي يزدهر عادّة في بيئات الاقتراض منخفضة التكلفة.

وبالتوازي مع اضطراب الأسواق، لا يزال الحذر يسيطر على حركة الطيران في الشرق الأوسط، إذ لم تعلن أيّ شركة أجنبية حتّى الآن عودتها لتسيير رحلاتها المنتظمة للمنطقة، في إشارة واضحة إلى أنّ "الأجواء" لم تصدق وعود التهدئة بعد.

(صورة مُولّدة بالذكاء الاصطناعي - جيميناي)

وبينما تشتعل الجبهات الميدانية والأسواق المالية، تتّجه الأنظار غدّا الجمعة إلى باكستان، المحطّة التي يُفترض أن تتحوّل فيها "الهدنة الهشّة" إلى اتّفاق نهائي. ففي إسلام آباد، سيخضع "الحبل المشدود" لأوّل اختبار حقيقي فوق طاولة التفاوض.

- إعداد: أمل مناعي

- المصادر: وكالات أنباء / الجزيرة نت 

اقرا أيضا

share